11/11/11

التورة السورية بين العواطف و واقع الموت اليومي

لم يبخل علينا الاسبوع الماضي بالمطبات الدرامية العديدة اللتي وضعت الكثير من مؤييدي الثورة على خطوط مواجهات فكرية و عقائدية.. و اذ يأس الكثير من امكانيات الحوار المستقبلي و بدأ بعض منهم بمراجعة الكثير من أفكاره السابقة، بدأت التيارات الفكرية السياسية المختلفة و المتنافسة بالظهور على الواقع السوري أخيرا بعد أربعون عاما" من السبات الاجباري.

لعل أحدّ الخلافات اللتي أخذت ابعادا واقعية مؤسفة هي الانقسام بين مؤيدي هيئة التنسيق الوطنية و أنصار المجلس الوطني السوري. و ترجمت هذه الخلافات بالهجوم المخجل على أعضاء هيئة التنسيق عند مدخل جامعة الدول العربية و رشقهم بالبيض و الاعتداء الجسدي عليهم، الأمر اللذي اضطر اعضاء المجلس لشجبه و ادانته و ترك أبواق النظام يبتسمون في مقاعدهم و يهنؤون انفسهم على هذا الخصم المعارض المشرذم. 

لكننا اذا ابتعدنا عن المشاعر الشخصية و الانتماءات افكرية لنحاكم الموضوع بطريقة علمية موضوعية متجردة عن العواطف و الخلفيات، لوجدنا  أنه بالرغم من أن هناك الكثير من المآخذ على طريقة حراك هيئة التنسيق لكنها لا يجوز أن تصل الى مرحلة التخوين أبدا. فمطالب الهيئة النهائية المعلنة مماثلة لأهداف المجلس الوطني، و هناك العديد من أعضاء الهيئة اللذين لا يمكن انكار تاريخهم النضالي و من العبث اتهامهم بالعمالة الآن حيث كان بامكانهم الوصول الى المناصب منذ زمن بعيد ان ارادوا.. هنالك دوما" بعض الاستثناءات اللتي تقف في المنطقة الرمادية من الطرفين.

من المهم تذكر أن المحرك الاساسي للثورات هو عامل عاطفي انفعالي يحكمه بعض من العقل و الكثير من الاندفاع الحماسي نحو تحقيق الهدف الاسمى. و لولا هذه الاندفاعية لعادت الناس في سوريا الى منازلها بعد سقوط أول شهيد و قبلت وهم الاصلاحات بدافع الخوف كما كان الحال لأربعون عام سابقون.

ان هذه الاندفاعية هي اللتي اعطتنا الثقة  بالنصر قبل سبعة أشهر، قبل ولادة المجالس و الهيئات و امثالها من الحلول السحرية اللتي لم تتبلور حتى الآن. لكن هذه الناس الثائرة المندفعة ترى أيضا اخواتها و اقاربها و اصدقائها تقتل و تشرد و تعتقل يوميا، مما أجبرهم على البحث عن الوقود للاندفاع و الحماس: الأمل بالعثور على المسيح أو المهدي المنتظر أو صلاح الدين، النبي أو القائد الذي سيرشدهم الى الطريق اللذي سينهي جميع الآلام و الشجون التي ألحقها بهم النظام السوري.

لقد رفضت هذه الجماهير بشكل عقلاني، بالرغم من تعطشها لرؤية تمثيل سياسي معارض حقيقي، الكثير من المجالس و التجمعات و الهيئات اللتي خلقت من قبل. لكن حصول المجلس الوطني عند تشكيله على هذه الموافقة العامة و السريعة بين ثوار الشارع و التنسيقيات كان دليلا واضحا أن هناك أيضا رغبة ملحة بالخلاص من وضع الضعف الممثل بالحراك السلمي اللامدعوم سياسيا". فجاء المجلس الوطني جاهزا بجميع المكونات العرقية و الدينية و الفكرية المطلوبة لارضاء الجميع فحظى على تأييد سريع و جامع غير مسبوق.
 
هذه المشاعر الجياشة التي هي مزيج من الخوف و الأمل و اليأس و الحماس كبرت و تطورت بين سيل يومي من أخبار الموت و الاختطاف و تحولت الى نوع من الغيرة العمياء على ما حصّلته الثورة حتى الآن. هذه الغيرة اللتي لا تختلف عن تشبث ام بابنها الوحيد عندما تراه يهم على سفرة بعيدة. و هكذا أصبح الثوار تقاتل و نكشر الانياب بوجه كل من يقترب الى الربيب الغالي الذي انتظره الكثير منذ سنين.. المجلس الوطني السوري اللذي اعطته الأغلبية الموافقة المطلقة و الثقة العمياء على أمل ان يكون مفتاح الخلاص.

كلنا نعرف أن المجلس، لعدم قدرة على الحركة السريعة أو لسرية العمل أو غيرها من الاسباب، لم يستطع أن يحقق الكثير حتى يومنا هذا.. أو على الأقل لم يرى بعضنا تقدما ملحوظا من جهته حتى الأيام الأخيرة..  و مع ذلك لا يزال الكثيرون مستعدين للقتال حتى الموت لاعطاء مجلسهم فرصة أخرى و الاحتفاظ به كالحل الباعث على الأمل.
و قد تجسدت الغيرة عليه و الاستماتة لاعطائه فرصة اخرى في هجوم الكثيرون الغير مبرر أبدا على عضو المجلس المستقيل محمد العبدالله بتهمة شق صفوف المعارضة. الشاب العبدالله الذي كان من أوائل من استشرس دفاعا عن الثورة و اخرس العشرات من أبواق النظام باخلاصه و سرعة بديهته و تواضعه و سجل التاريخ على شاشة الاتجاه المعاكس.
هذا الهجوم و الاتهام بشق صفوف المعارضة، و ان كان محيرا و غير مقبول أبدا، لكنه مفهوم في اطار التمسك الغريزي الأمومي اللاهث بالمجلس وليد الثورة و ذم من يتخلى عنه كأم تنحاز لصف ابنها ضد خطيبته اللتي انفصل عنها بغض الأنظار عن الأسباب.

تميزت الثورات عبر القرون الماضية بالقاعدة الشعبية المحركة التي تثور على الواقع المرير، و النخبة المثقفة التي ترسم الخطوط العريضة لهذا الحراك و تحرك الجماهير بالاتجاه الفكري البديل. لكن ثورات الربيع العربي غيرت هذا المفهوم و قلبت الأدوار حيث بدأت الجماهير الحراك و انتظرت النخبة لكي ترسم الحل البديل. و لهذا شعرت الجماهير باحساس المسؤولية عن للثورة، و رفضت بشكل قاطع أن تلعب الأصابع بمولودها الجديد و توجهه بعيدأ عن المسار اللذي اختارنه له. فخونت و ضربت و شجبت و قاطعت و رفضت القبول بالحلول الأخرى.
 قد يلام من يفعل ذلك في أية حالة أخرى لكن هل من يلوم أم ثكلى اذ استماتت للدفاع عن ابنها؟
 
من الصعب في هذه الظروف أن يلزم الشخص الحياد الايجابي، و ان كنت من أكثر أنصار المجلس الوطني و من أشد نقاده, و من أكثر لائمي انصار المجلس لاستماتهم بالدفاع عنه، فانني لا ازال ارى الساحة متسعة للعديد من الهيئات و المجالس صاحبة الرؤى المختلفة, و أرى ان تعددها دليل صحة و تطور شرط أن لا تلتف حول حراك بعضها لمكاسب شخصية.

 و لكن، و من جهة أخرى، قد يكون الحل أيضا هو انتظار الولد الوحيد كي يكبر و يترك العش لكي نستطيع التعامل مع موضوع التمثيل و القيادة بشكل صحي. قد يكون الحل أن نعطي الأم فرصتها للتغني بافعال ولدها و الدفاع عنه قبل ان نطالب كل من الاطراف بالعقلانية و الموضوعية. في النهاية، المجلس الوطني و هيئة التنسيق و غيرهما كيانات مؤقتة لا بد من زوالها بعد التحرير و استبدالها بتكوينات ديموقراطية أنضج و أكثر شفافية و تتيح للشعب ممارسة دوره الحقيقي باختيارها عوضا عن القبول بما يعرض عليه و التصفيق.